مجمع البحوث الاسلامية
435
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وأنّه رؤوف رحيم بالمؤمنين منكم خاصّة . . . » . فالتّعميم في المتعلّق وفي المفعول كلاهما هو مقتضى سياق الآية ، وكذا تخصيص الرّحمة بالمؤمنين ؛ حيث قال : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ، لاحظ : « ع ز ز » عزيز و « ع ن ت عنتّم » . ورابعا : الكلام في ( 4 ) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ . . . موكول إلى بحث العدل بين النّساء ، فلاحظ : « ع د ل - تعدلوا ، ن س و - النّساء » . وخامسا : جاء في ( 5 ) وصفا لليهود وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ . . . وفيها بحوث : 1 - زعم اليهود أنّ الجنّة خالصة لهم من دون النّاس ، فخاطبهم اللّه ردّا عليهم بقوله : قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ . فأكّد على أنّ زعمهم ذلك يقتضي تمنّاهم الموت ليصلوا بمزاعمهم من الجنّات والخيرات في الآخرة ، ثمّ أكّد بأنّهم لا يتمنّون الموت خوفا ممّا قدّمت أيديهم من السّوء ، ثمّ أكّد بأنّهم بدلا من تمنّاهم الموت أحرص النّاس على حياة وحتّى من المشركين الّذين لا يعتقدون الدّار الآخرة إلى حدّ أنّ أحدهم يتمنّى أن يعمّر ألف سنة . وبذلك أثبت أنّ مزاعمهم في اختصاص الجنّة بهم خطأ في ميزان العقل . قال الطّباطبائيّ : « ولتجدنّهم ) كالدّليل ل وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً أي ويشهد على أنّهم لا يتمنّون الموت أنّهم أحرص النّاس على هذه الحياة الدّنيا الّتي لا حاجب ولا مانع من تمنّي الدّار الآخرة إلّا الحرص عليها والإخلاد إليها » . 2 - نصّت الآية في بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ على أنّ سبب عدم تمنّيهم الموت هي أعمالهم السّيّئة الّتي تدخلهم النّار ، قال الطّبريّ : « لعلمهم بما قد أعدّ لهم في الآخرة على كفرهم ممّا لا يقرّبه أهل الشّرك ، فهم للموت أكره من أهل الشّرك الّذين لا يؤمنون بالبعث ، لأنّهم - أي اليهود - يؤمنون بالبعث ويعلمون ما لهم هنالك من العذاب ، ولأنّ المشركين لا يصدّقون بالبعث ولا العقاب ومع ذلك فاليهود أحرص منهم على الحياة ، وأكره للموت » ، ولعلّها خاصّة بمن كان منهم يعتقد بالحياة الآخرة حقّا . ومع الاعتراف بذلك فقوله : أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ يشعر بأنّ سبب كراهتهم الموت لم يكن منحصرا في خوف العذاب ، بل كانت لهم علاقة شديدة بالحياة الدّنيا أيضا أكثر من غيرهم . ولعلّ سببها - كما أشار إليه المصطفويّ - أنّهم كانوا طول حياتهم في ابتلاء وضيق وشدّة وحرمان وعزلة عن الخلق ، فحرصوا على جبرانها بالإقبال على موجبات الحياة ، ولا سيّما على جمع المال ؛ بحيث صار ذلك طبيعتهم في الحياة يعرفون بذلك بين الأمم ، فإنّهم كذلك كانوا وكذلك يكونون إلى